مقدمة
عزيزي القارئ...
أنت على وشك قراءة قصة خيالية بالكامل، وُلدت من أحلام راودتني خلال فترة مرضي. لذلك، إن وجدت أحداثًا تبدو غير منطقية أو لا تتطابق مع واقع المكان والزمان فهذا شئ طبيعي، فلا تحاول إسقاطها على العالم الحقيقي؛ فليس بينها وبين الواقع أدنى تشابه.
الفصل الأول - بداية الضباب
عام 1953 في مدينة كاريليا، المدينة التي عُرفت بهدوئها وسكينتها وابتعادها عن صخب البشر، عاش فينش، بطل قصتنا.
كان شابًا عاديًا بكل المقاييس؛ ليس طويلًا ولا قصيرًا، لا داكن البشرة ولا شديد البياض، لا نحيفًا ولا بدينًا. ولو مررت به في الشارع، فلن يلفت انتباهك في شيء... إلا في أمر واحد فقط، أمر كان يميزه عن كل من حوله وسنكتشف هذا مع تطور احداث القصة، في ذلك اليوم لم يذهب فينش الى المدرسة، واتجه إلى منزل الجدة رون، التي كان يرعاها مقابل بضعة كوبيكات. كانت امرأة مرحة، حنونة، وتعامله كأنه ابنها. ولها ابنة لطيفة تدعى ناتاليا
وصل إلى بيتها المعزول تمامًا عن الناس، فوجدها مستلقية على سريرها، تستمع إلى الراديو وتبكي بحرقة.
قال باستغراب: — ما بكِ يا جدة؟
أجابته وهي تنتحب: — لقد اغتالوا ستالين...
ثم انفجرت في البكاء من جديد.
تنهد فينش وقال بهدوء: — يا جدة... أنتِ لم تعيشي آخر أيامك بسلام ولا بحرية، وعانيتِ الفقر بسببه، فلماذا تبكين عليه؟
فما إن أنهى جملته حتى صرخت فيه لأول مرة: — اخرس! أنت لا تدري شيئًا، البتة! ألا ترى علب الزيت والسكر في المطبخ؟
تجمد في مكانه.
لم يكن مصدومًا من كلماتها بقدر ما كان مصدومًا من طريقتها؛ فلم يسبق لها أن رفعت صوتها عليه.
وأثناء حديثها، لمح بطرف عينه شيئًا أسود طويلا يقف خارج المنزل.
التفت سريعًا...
لكن لم يكن هناك شيء.
هز رأسه وقال في نفسه إنها مجرد تهيؤات، ثم خرج ليستنشق بعض الهواء قرب النهر. كان الضباب يملأ المكان، وعلى غير عادة الناس، كان يعشق هذا الطقس.
جلس على صخرة، وغرق في التفكير.
أيعقل أن يُحب الإنسان شخصًا لأنه منحه الحد الأدنى من حقوقه؟
ظل صامتًا للحظات، ثم قال في نفسه:
“لا... هذا مستحيل. إنها علاقة سامة؛ يمنحك قدرًا من الاهتمام، ثم يسلبه منك، ثم يعيده مرة أخرى بكمية أقل، فتشعر بالامتنان للقليل، لأنك نسيت كيف يبدو الكثير.”
ابتسم ابتسامة باهتة.
“آه... الآن فهمت. يا لهم من قوم.”
وفجأة...
دوى صوت ارتطام عنيف من داخل المنزل.
انتفض واقفًا وركض نحو الباب وهو يصيح:
— يا جدة! ماذا تفعلين؟
فتح الباب...
فتجمدت أنفاسه.
كانت رون ملقاة على الأرض، والدم يتدفق من رقبتها بغزارة.
اتسعت عيناه حتى بدا وكأنهما ستخرجان من محجريهما.
لثانية واحدة فقط...
توقف الزمن. وتجمد جسده وروحه ايضا
لكن عقله صفعه بقسوة، وكأنه يصرخ فيه:
“أنقذها أيها الأحمق!”
أفاق من صدمته، وأسرع يبحث عن أي قطعة قماش يوقف بها النزيف.
ضغط بكل قوته...
لكن الدم كان يخترق كل شيء.
جرب مرة...
ثم أخرى...
ثم ثالثة...
دون جدوى.
وبعد دقائق، وجد نفسه غارقًا في دمائها، عاجزًا عن فعل أي شيء.
وفي تلك اللحظة بالذات...
كانت ناتاليا، ابنة رون، تقترب من المنزل، تحمل باقة من الزهور البيضاء، وتغني بصوتها الرقيق.
أما فينش...
فقد شُل تمامًا.
لم يعرف ماذا يقول...
ولا ماذا يفعل.
فتحت نوار الباب.
سقطت الزهور من يدها، وتناثرت فوق الأرض، ثم تلطخت بالدم حتى احمرّت احمرارًا لم تشهده زهرة من قبل.
تراجعت خطوة إلى الخلف، وقد ارتسم الرعب على وجهها.
وفي لحظة خاطفة، ظنت أن مصيرها سيكون كمصير ليزافيتا في رواية الجريمة والعقاب.
استدارت وهربت بكل ما تملك من قوة، وهي تصرخ:
— النجدة! النجدة!
حاول فينش اللحاق بها ليخبرها بالحقيقة، لكنها لم تستمع إليه، وظلت تركض مذعورة.
وفجأة...
ظهرت سيارة شرطة تتجه نحوهما
توقف قلبه.
ملابسه غارقة بالدماء...
والجثة خلفه...
ولا شاهد واحد يبرئه.
وكان يعلم جيدًا كيف يتعامل الاتحاد السوفيتي مع المتهمين في ذلك الزمن.
لم يفكر.
لم يلتفت خلفه.
اندفع يركض بأقصى سرعة، في طريق لا يعرفه، ولا يعرف إلى أين يقوده.
ظل يجري...
ويجري...
ويجري...
حتى لم يعد يعلم أهو يهرب من الشرطة...
أم من الحقيقة نفسها.
الفصل الثاني: غرباء في الضباب
بعد ساعات طويلة من الجري دون وجهة، وجد فينش نفسه في حي شبه مظلم، تملؤه البنايات السكنية المهجورة، ويغلفه الضباب من كل جانب. لم يكن يسمع سوى صوت أنفاسه المتسارعة وخطواته المتعبة. لم يعد يعلم إلى أين يذهب، لكنه كان يعلم شيئًا واحدًا فقط... لا يمكنه التوقف.
وفجأة...
شعر بيد تستقر على كتفه من الخلف.
استدار بسرعة، وقد ارتسم الخوف على وجهه، وقال: — من أنت؟
أجابه رجل بصوت هادئ: — اهدأ... كنت عائدًا إلى منزلي، ورأيتك تتجول هنا. أدركت أنك بحاجة إلى المساعدة، فهذا المكان لا يدخله الغرباء عادة.
لم يشعر فينش بالارتياح.
قال بحذر: — شكرًا، لكنني لا أحتاج إلى مساعدة.
ابتسم الرجل وقال: — إن كنت تظن أن هذا عزة نفس... فصدقني، ليس كذلك.
لم يستطع أي منهما تمييز ملامح الآخر بسبب الظلام الكثيف.
تردد فينش للحظات، ثم وافق أخيرًا على الذهاب معه.
وأثناء سيرهما، قال الرجل: — لم تخبرني باسمك.
لم يرد فينش أن يكشف هويته الحقيقية، فقال: — اسمي... بوب.
ابتسم الرجل. — بوب؟ اسم جميل.
ثم سأله: — وكيف وصلت إلى هنا يا بوب؟
أجاب بعد تردد: — أضعت طريقي.
ضحك الرجل بخفة. — كنت أعلم أنك بحاجة إلى المساعدة او شيئا اخر
اتعلم يا بوب ، الإنسان الهارب يمكن معرفته من ثلاث علامات ... لا ينظر خلفه،ولا يثبت عينيه في عين احد، ويكذب قبل ان يُسال
توتر فينش ونظر اليه
ثم ضحك الرجل وقال كنت امزح فقط واكملا سيرهما
في تلك اللحظة، وقع نظر فينش على الكيس الذي يحمله الرجل، ولاحظ بداخله زجاجة صلصة.
قال في نفسه: “يجب أن أغطي هذه الدماء قبل أن يظهر الضوء.”
فقال للرجل: — اسمح لي أن أحمل الكيس عنك.
ابتسم الرجل وسلمه الكيس.
فتح فينش زجاجة الصلصة، وتظاهر بأنه يشربها من شدة الجوع، لكنه في الحقيقة سكبها بعشوائية على ملابسه، حتى تختلط بالدماء.
توقف الرجل ونظر إليه بدهشة، ثم قال ضاحكًا: — كنت أعلم أنك جائع... لكن لم أتوقع أنك جائع إلى هذه الدرجة!
ابتسم فينش ابتسامة متوترة. — آسف... كنت سأموت من الجوع.
ربت الرجل على كتفه وقال: — لا تقلق، في المنزل طعام يكفي الجميع.
تفاجأ فينش من طيبته.
كان يظن أنه سيتركه في منتصف الطريق، أو يسلمه للشرطة، لكنه لم يفعل.
سأل فينش: — وما اسمك؟
ساد الصمت.
لم يجبه الرجل.
احترم فينش رغبته في إخفاء اسمه، ولم يسأله مرة أخرى لكنه ولد شك كبير بداخل فينش
عندما وصلا إلى الشقة، وجد بداخلها رجلين آخرين.
ابتسم الرجل وقال: — هذان صديقاي... كيلا وجورج. اعرفكما بالرجل المنشود بوب
لم يفهم فينش معنى الرجل المنشود لكنه تغاضى عنها
صافحاه بحرارة.
وما إن وقعت عين جورج على ملابس فينش حتى انفجر ضاحكًا وقال: — يا رجل! ما كل هذه الدماء التي عليك؟
وضحك الجميع.
أما فينش، فشعر وكأن قلبه توقف لثوانٍ، لكنه تظاهر بالضحك معهم حتى لا يثير الشكوك.
ثم قال كيلا للرجل: — هل انتهيت من ذلك العمل؟
ضحك الرجل وقال: — بكل تأكيد.
بعدها أحضروا الطعام والشاي، وبدا الجو وكأنه احتفال صغير، بينما ظل فينش يراقبهم بصمت.
وفي منتصف الحديث، قال جورج لكيلا: — يجب أن تتزوج قبل أن يسقط ما تبقى من شعرك!
فضجت الغرفة بالضحك.
حينها تكلم فينش لأول مرة منذ دخوله.
قال: — وما علاقة الزواج بهذا؟
ابتسم جورج وقال: — عندما يصبح أصلع، لن تقبل به أي امرأة.
هز فينش رأسه وقال: — الا ترى ان هذا سيكون لصالحه.
نظر الجميع إليه باستغراب.
— كيف؟
قال : —كون ان شخص يختار من يعيش معه لبقية عمرة على حسب الشكل فقط ويترك جميع الصفات الاخرة فهذا على حد تقديري شخصية طفولية فاشلة وعلى ما اعتقد العلاقات مع هذا النوع لا تكمل سنة واحدة حتى لانها بالطبع ستجد من هو اجمل منك وتتعلق به.
ساد الصمت للحظة...
فقال كيلا واضح انك خسرت قصة حب من قبل
اجاب فينش بل شاهدت كثيرا منها
وقال جورج: — اسف يا اصدقائي لكنه على حق.
وأضاف كيلا مبتسمًا: — يجب أن نوظفك معنا.
وقبل أن يسأل فينش: — توظفونني في ماذا؟
دوى طرق عنيف على الباب.
تبادل الثلاثة النظرات في لحظة واحدة.
وفي أقل من ثانية، ضرب جورج الرجل المجهول على رأسه كي يشل حركته ويبطئه فقط ، بينما أمسك كيلا بفينش، ووضع يده على فمه، ثم سحباه بسرعة إلى قبو صغير أسفل المنزل.
وقف فينش مذهولًا، لا يفهم شيئًا.
سمع باب الشقة يُفتح.
قال أحد رجال الشرطة: — أنت متهم بسرقة قلادة الملكة فيا.
وفي اللحظة نفسها...
وقعت عين فينش على القلادة.
كانت معلقة حول عنق جورج.
تجمد في مكانه.
كان يستطيع أن يصدر أي صوت، فتقبض الشرطة على جورج، وينقذ الرجل الذي أنقذه قبل قليل.
لكن...
شيئًا بداخله منعه.
ظل صامتًا.تمامًا.
وبعد أن غادرت الشرطة المنطقة، التفت إليهم وقال: — ماذا يحدث هنا؟
ابتسم جورج ابتسامة باردة وقال: — إن كنت تريد ان تعيش فتوقف عن طرح الأسئلة لقد انقذناك للتو، كان من المفترض ان تكون انت مكانه لكني ارى ان لدي استخدام اخر لك
ثم استدار نحو الباب، وقال:
— هيا... لدينا رحلة قصيرة.
الفصل الثالث: أول رصاصة
ركب فينش السيارة تحت تهديد السلاح، دون أن يعرف إلى أين يأخذونه.
كانت السيارة تشق طريقًا ضبابيًا بمحاذاة النهر، بينما خيم الصمت على الجميع.
أسند رأسه إلى النافذة، وغرق في أفكاره.
كيف يمكن للمرء اخفاء حقيقته لهذا الحد؟
لم يغضب أحدهم حين سكب الصلصة على ملابسه، واستضافوه في منزلهم، وأطعموه، وأحسنوا معاملته... ثم اكتشف أنهم لصوص، وربما قتلة.
عندها أدرك شيئًا.
لا شيء في هذا العالم يُؤخذ كما يبدو.
المظاهر قد تخدع، والابتسامات قد تخفي أنيابًا. ومنذ تلك اللحظة، قرر ألا يحكم على أحد من ظاهره، وأن يدقق في كل شيء قبل أن يثق به.
بدا النقاش والشجار بين جورج وكيلا على تقسيم ثمن القلادة وفي كل ثانية كنت ارى جورج يضع عين عل الطريق وعين علي بالمرآة الداخلية ويقول لي عيناك لا تعجباني
لا يعلم فينش ماذا يقول فيصمت
وفي لحظة تشاجر جورج وكيلا لاحظ فينش أن مسدس جورج ينزلق تدريجيًا من جيبه مع كل مطب تعبره السيارة.
لمعت الفكرة في رأسه.
انتظر...
مطبًا آخر...
يحاول فيفشل ويحاول مرة اخرة لكن المسدس في كل مرة يبعد
وعند مطب كبير مد يده بخفة، وانتزع المسدس دفعة واحدة.
صرخ الثلاثة في اللحظة نفسها.
ودون أن يمنحهم فرصة، ضغط الزناد عدة مرات.
رصاصة في السقف ورصاصة في الزجاج ثم اخيرا في كيلا سائق السيارة
فقد كيلا السيطرة على المقود.
واصيب جورج في عنقة
وانحرفت السيارة بعنف...
ثم سقطت في النهر.
بدأت السيارة تغرق ببطء.
كانت المياه تتسلل من ثقوب الرصاص، وترتفع شيئًا فشيئًا داخل المقصورة.
بحث فينش بعينيه بجنون عن المسدس.
يمينًا...
يسارًا...
لا أثر له.
بدأ الماء يقترب من وجهه، وشعر بأن أنفاسه تضيق.
وفجأة...
أحس بشيء صلب تحت ظهره.
مد يده بصعوبة، وانتزعه.
كان المسدس.
قبض عليه بكل قوته، وضرب به زجاج النافذة مرة...
ثم ثانية...
ثم ثالثة...
حتى تحطم الزجاج أخيرًا.
اندفع خارج السيارة بكل ما بقي لديه من قوة.
لكن قبل أن يبتعد...
استفاق كيلا.
أمسك بقدم فينش بقوة، وشده إلى الأسفل.
حاول فينش الإفلات، ركل، وضرب، وسحب ساقه بكل ما يملك...
لكن قبضة كيلا لم ترتخِ. وعيناه كانت تكن بشرا مخيفا
بدأ الهواء ينفد من رئتيه.
ولم يبق أمامه سوى خيار واحد.
رفع المسدس...وكان يرتعش من الخوف وكان غير قادر على فعلها لكنه قرر مواجهه خوفه
اغمض عينه وأطلق رصاصة مباشرة في رأس كيلا.
ارتخت القبضة فورًا.
تحررت ساقه.
وفي تلك اللحظة...
أدرك فينش حقيقة لم يكن مستعدًا لها.
لقد أصبح قاتلًا. وهذه اليد لن تصبح كما كانت
لم يرد ترك المسدس، وبدأ يسبح نحو السطح.
كانت رئتاه تحترقان.
وحركاته تزداد بطئًا.
وأخيرًا، لمح ضوء النهار فوقه.
مد يده نحوه...
لكن بصره بدأ يتشوش.
تلاشت الأصوات.
واختفى الضوء تدريجيًا...
وقبل ان يبتلع الظلام وعيه ... كان الشئ الوحيد الذي عرفه يقينا انه لم يعد الفتى الذي كان عليه
…………………..
احيانا لا يغير الانسان قرارت حياته بل تغيره هي ....
الفصل الرابع: حقيقة الضباب
عندما كان فينش فاقدا وعيه كان بداخل حلم مريب.
وجد نفسه في غرفة مظلمة للغاية لا يوجد بها سوا مصباح واحد في المنتصف
وهناك كانت الجدة رون واقفة
ذهب فينش اليها مسرعا وعانقها بقوة ثم قالت له لا تقلق انا هنا من اجلك
ثم اسندت فينش وقالت له انظر ساريك شيئا، الان انظر الى هناك،
وجد فينش قطتين واحدة صغيرة لكنها جميلة جدا
والاخرة ضخمة وشديدة القبح والغضب
وفي حين لحظة تشاجرا معا وكانت القطة الضخمة تكسب دائما في البداية
لكن الغريب ان القطة الصغيرة هي التي تنتصر في نهاية الامر
. ابتسمت الجدة رون وقالت لفينش افهمت شئ ؟
قال فينش : في الحقيقة لا
تنهدت الجدة وغادرت ببطئ ناحية الظلام وقالت ستفهم بنفسك قريبا … ستفهم بنفسك
حاول فينش اللحاق بها لكنها قد اختفت بالفعل ثم ظهرت اشعة كبيرة تجاهه وحينها استيقظ فينش على وخز أشعة الشمس وهي تضرب عينيه.
فتح جفنيه بصعوبة، ثم أخذ نفسًا عميقًا كأن رئتيه تتعلمان التنفس من جديد.
كان مستلقيًا على ضفة النهر، وملابسه لا تزال مبتلة، وجسده مليئًا بالكدمات والخدوش.
حاول النهوض، فسقط مرة أخرى.
ظل للحظات ينظر إلى السماء، ثم تذكر...
الجدة رون.
الدماء.
السيارة.
الرصاص.
كيلا.
فتح عينيه فجأة، وأخذ يلتقط أنفاسه بسرعة.
مرّت عدة أيام وهو فاقد للوعي.
وبصعوبة، بدأ يسير وبدا يفكر ويأنب نفسه قائلا يا ليتني ذهبت الى المدرسة اولا ولم اذهب الى الجدة
لما كان حدث اي من هذه وكنت في بيتي الان مطمئن، يا الهي على حالي
ثم صفعه عقلة للمرة الثانية وقال له : اجل اجل بعد كل هذا الكلام وتانيب الذات ما الذي افادك ؟ الان عليك التفكير فيما هو قادم ، التفكير فيما قُضى وانتهي لن ينفعك شيئا البتة، كن ذكيا ولا تتاثر بشئ ليس بيدك السيطرة عليه ….
فبدا يتحرك حتى ظهرت له أطراف مدينة كاريليا.
كان الجوع ينهش معدته حتى شعر أن كل خطوة قد تكون الأخيرة.
وأثناء سيره لمح فتاة تقف في أحد الأزقة.
تجمد في مكانه.
كانت ناتاليا.
اختبأ خلف أحد الجدران حتى لا تراه، فهو يعلم أنها لا تزال تظنه قاتلة أمها.
لكنه نظر اليها من بعيد رأها وابتسم ابتسامة ممزوجة بحزن شديد كانها كانت لها مكانة خاصة لديه
لكن قبل أن يبتعد، سمع صوتها يصرخ.
التفت سريعًا.
كان رجل ضخم يمسك ذراعها بالقوة ويحاول جرها بعيدًا، بينما كانت تقاوم بكل ما تملك.
تردد فينش.
لو اقترب... ستصرخ باسمه.
ولو ابتعد... سيتركها لمصير لا تستحقه.
ثم لوهله تذكر الحلم وفهم اخيرا الرسالة فهو القط الصغير
أغمض عينيه وللحظة وقال ليس لدي شيئا اخر لأخسرة
ثم اندفع نحوهما.
لكم الرجل بكل قوته، فالتفت إليه الضخم غاضبًا ودفعه أرضًا بسهولة.
نهض فينش مرة أخرى، رغم الألم.
تلقى ضربة أخرى.
ثم ثالثة.
حتى سال الدم من فمه.
لكن كلما سقط... نهض من جديد.
لم ينجح فينش في هزيمته وضُرب مرات عدة
لكنه اخره كثيرا حتى تجمع الناس فعندها هرب الرجل الضخم سريعا
وفي هذه اللحظة انقذ ناتاليا منه ورسالة الجدة كانت لإنقاذ ابنتها لانها كانت تعلم انه لا يوجد اي قط نقي في هذه البلدة سوا فينش
لكن ما إن التفت فينش الى ناتاليا...
حتى اتسعت عيناها رعبًا.
وأخذت تتراجع وهي تصرخ:
“النجدة هذا قاتل والدتي... سيقتلني... النجدة!”
خفض فينش رأسه.
لم يحاول حتى الاقتراب منها.
ولم يكن لديه القدرة على الهرب فرفع يديه ببطء، ثم جلس على الأرض مستسلمًا.
وابتسم ابتسامة مكسورة وقال في نفسه : حتى وانا انقذك ...مازلت ترينني قاتلا
بعد دقائق، وصلت الشرطة.
مد يديه إليهم دون مقاومة.
وفي قسم الشرطة...
بينما كان ينتظر استجوابه، لمح وجهًا يعرفه.
كان الرجل المجهول.
لكن هذه المرة لم يكن يجلس مطمئنًا.
بل كان مقيد اليدين.
كشف المحقق أمام الجميع سلسلة من الأدلة التي لم ينتبه لها أحد من قبل.
آثار حذائه طابقت الآثار الموجودة خارج منزل رون.
وألياف من معطفه عُلقت بمسمار نافذة المنزل.
كما وُجدت بصماته على جهاز الراديو الذي كانت رون تستمع إليه قبل مقتلها، رغم أنه ادعى أنه لم يدخل المنزل قط.
والأهم...
أن شهادة أحد الصيادين أكدت أنه رأى رجلًا يرتدي معطفًا أسود يغادر المنزل قبل وصول فينش بدقائق.
حينها فقط...
تذكر فينش الجسم الأسود الذي لمحَه بطرف عينه في ذلك اليوم.
لم يكن يتوهم.
كان القاتل هناك منذ البداية.
رفع الرجل المجهول رأسه، وابتسم ابتسامة باردة، ثم قال:
“لم أكن بحاجة إلى ذكاء... كنت بحاجة إلى خوفك فقط.”
ساد الصمت في الغرفة.وهنا… حُلت القضية اخيرا وفينش بريئا تماما
أما ناتاليا...
فلم تستطع رفع عينيها إلى فينش.
أدركت، متأخرة، أنها اتهمت الشخص الوحيد الذي حاول إنقاذ أمها... ثم حاول إنقاذها هي أيضًا.
سكت فينش ولم تخرج من فمه اي كلمة لإي احد
وخرج من قسم الشرطة بعد أن ثبتت براءته.
لم يشعر بالنصر.
ولم يشعر بالراحة.
كل ما شعر به...
أن جزءًا منه مات ان لم يكن نفسه بالكامل
عاد إلى ضفة النهر.
وقف في المكان نفسه الذي جلس فيه يومًا يفكر في البشر.
كان الضباب يملأ الأفق كما كان دائمًا.
ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم قال:
“ليست الحقيقة هي التي تختبئ داخل الضباب...
بل نحن.”
ادرك فينش ان كيلا وجورج الذي قتلهما كانا هم السبب الرئيسي في انقاذه بتسليم الرجل المجهول
صرخ صرخة كانت كفيلة بتمزيقه من الداخل
وحينها علم فينش انه لم يعد كما كان وانه اصبح جزءا من الضباب … وكأن الضباب لم يكن يخفي الطريق بل يخفي الانسان الذي كانه قبل ان يسلكه. وهنا وُلد مكانه غريب يحمل الإسم نفسه ... وسار مبتعدًا حتى ابتلعه الضباب من جديد.






ايه يعم الحلاوة دي!
تنزل رواية تكسر الدنيا 🤍☝🏻
مقال اكثر من رائع شكرا لك